الاثنين 1439/10/04 هـ الموافق 2018/06/18 الساعة الأن بتوقيت مكة المكرمة

في تفسير "الاستثناء السلطوي" العربي

في تفسير "الاستثناء السلطوي" العربي
Google+ استمع
02:33 الثلاثاء 20 ديسمبر 2016

يحفل حقل دراسات التحول الديمقراطي بأدلةٍ كثيرةٍ حول أسباب الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية ومراحلها. وعلى الرغم من حيوية هذا الحقل الدراسي، وقدرته علي تفسير تجارب انتقالية كثيرة في أكثر من إقليم، مثل أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، إلا أن ما يقدّمه لنا، نحن الباحثين، عن العالم العربي، كمنطقة تعاني من الانسداد السياسي والسلطوية ليس كثيراً. وذلك ليس فقط نظراً لسيطرة بعض الرؤى الاستشراقية الثقافوية عن المنطقة، وتأثيرها على جودة الأطر التفسيرية لها وموضوعيتها، وإنما أيضاً بسبب حالة "الاستثناء السلطوي" التي تعيشها منذ أكثر من نصف قرن، والتي لم تفلح موجة "الربيع العربي" في كسرها، أو إنهائها، إلا في الحالة التونسية.
ولكن، صدرت، أخيراً، دراسة حديثة، تبدو الأقرب لتفسير بعض الظواهر السلطوية العربية، أعدها ثلاثة من باحثي العلوم السياسية، باربرا جيدز من جامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس)، وجوزيف رايت من جامعة ولاية بنسلفانيا، وإريكا فرانتز من جامعة بريدجووتر في ولاية ماساتشوستس الأميركية. الدراسة، التي لم تنشر رسمياً بعد، تعتمد على بياناتٍ ومعلوماتٍ تم استقاؤها من دراسة ما يقرب من 280 حالة تغيير للنظام السياسي في مناطق مختلفة، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2010. ولعل أبرز ما جاءت به الدراسة هو أن ما يقرب من نصف الحالات التي تمت دراستها، وشهدت تغييراً للنظام، قد ارتدّت إلى شكلٍ من أشكال النظم السلطوية، وأن حوالي الربع فقط هو ما شهد تحولاً نحو الديمقراطية.
وعلى الرغم من أن الدراسة لم تتعمق في تفسير الوضع العربي، إلا أن ثمّة نتائج ثلاث مهمة، قد تفيدنا في فهم الحالة السلطوية العربية. أولها العلاقة بين السلطوية والحرب الأهلية، فحسب بعض مؤشرات الدراسة، فإن بعض الأنظمة الأوتوقراطية التي تخشى الخروج من السلطة قد تبادر إلى إشعال حربٍ أهليةٍ، وذلك من أجل البقاء في الحكم، وإنهاك القوى المعارضة، بل وتفتيتها، وهو ما يبدو واضحاً في حالة سورية التي دفعها بشار الأسد نحو حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ من أجل وأد الثورة والبقاء في السلطة.
تتعلق الثانية بمدى اعتماد النظام السلطوي على روابط شخصية، وليس سياسات سلطوية فقط. حيث ترى الدراسة أن هذا النوع من الأنظمة من الصعب أن تؤدي إطاحتها إلى عملية تحوّل ديمقراطي حقيقية. وهو ما يبدو واضحاً في الحالة اليمنية التي كان نظام علي عبد الله صالح يعتمد فيها على مجموعة من العلاقات الشخصية والقرابة، لضمان سيطرته على السلطة، وهو ما أدى إلى تفتت السلطة وانتشارها بين مجموعة مهيمنة من المستفيدين الذين يقاتلون من أجل البقاء في السلطة.
أما النتيجة الثالثة فهي التدخل الخارجي الذي يؤدي إلى إطاحة النظام السلطوي. ففي معظم الحالات التي تمت دراستها، لم يؤد سقوط الأنظمة بتدخل أجنبي إلى قيام نظم ديمقراطية بديلة. بل على العكس، تم الرجوع إلى نظام سلطوي، وإنْ بشخصياتٍ ومؤسساتٍ وعلاقاتٍ جديدة. وهو ما يبدو واضحاً في حالة العراق.
في ضوء نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن ثمة مستقبلاً متشائماً ينتظر المنطقة العربية، خصوصاً عند مقارنتها، على سبيل المثال، بما حدث بعد انهيار الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفييتي، حيث تم تغيير أنظمة أوتوقراطية كثيرة في وسط أوروبا وشرقها. بينما لم يتأثر أكثر من ثلثي العالم العربي من موجة الانتفاضات التي حدثت قبل حوالي خمسة أعوام. وحتى لو سقطت الأنظمة السلطوية الحالية، فإن فرص قيام أنظمة ديمقراطية بعدها تبدو محلّ شكٍّ كبير.

اشترك بالقائمة البريدية