الاثنين 1439/10/04 هـ الموافق 2018/06/18 الساعة الأن بتوقيت مكة المكرمة

الحراك الاجتماعي العربي.. هل يتحول إلى ثورة؟

الحراك الاجتماعي العربي.. هل يتحول إلى ثورة؟
Google+
18:43 الجمعة 23 ديسمبر 2016

بصورة عامة، تغيرت الوجوه والسحنات واختلفت ملامح الشوارع وتباينت أسماء المدن ولكن تشابهت المطالب وتوحدت الأصوات. فبين كل حين وآخر، تندلع المظاهرات الشعبية والاحتجاجات المطلبية التي تنادي الحكومات العربية للقيام بمسؤولياتها لتوفير الخبز والماء والكهرباء والدواء والمواصلات العامة وخدمات جمع النفايات وتحسين خدمات الاتصالات والتنديد بغلاء الأسعار وفساد الحكام، وغيرها من مطالبات مشروعة. بل وأحيانا يتسع الغضب الشعبي احتجاجا على إقامة السدود وتهجير السكان ونزع الأراضي لصالح أشخاص نافذين أو بيعها لمستثمرين أجانب. فكم من ملايين السنين الضوئية تحتاج الحكومات العربية للعبور إلى مصاف الحكومات المؤتمنة على حقوق شعوبها؟

ففشل غالبية الحكومات العربية في تحقيق التنمية المرجوة لشعوبها شكل حافزا قويا للتحركات الاجتماعية التي ساهمت بشكل كبير في انفجار انتفاضات الربيع العربي والتي بدورها ساهمت في إيقاظ الوعي المجتمعي وتنمية إدراك الشعوب العربية، بصفة عامة، بقوتها الحقيقية؛ حيث أدت هذه الثورات إلى قلب أنظمة حكم راسخة سيطرت على شعوبها بقبضة من حديد لعقود من الزمن، وما كان ليخطر على بال أحد أن قادة هذه الشعوب سوف يجدون أنفسهم في يوم من الأيام مطاردين أو باحثين عن اللجوء في دول أخرى، أو أن يكون مصيرهم الموت أو خلف القضبان! كما أدت هذه الثورات إلى زيادة الوعي بحقوق المواطنة ورفع تيرمومتر الحساسية الشعبية ضد تقصير الكثير من الحكومات العربية تجاه مواطنيها. فما كان بالأمس واقعا معاشا يستسلم له مواطنو هذه الدول صامتين صاغرين صار اليوم يندرج تحت مظلة الحقوق التي إذا لم تعط تنتزع.

ومهما قيل عن الريف وطاقاته إلا أن المدن تظل هي المراكز الحساسة للتغيير الاجتماعي، ولذلك كثيرا ما نقرأ ونسمع ونرى على شاشات الأجهزة التلفزيونية المئات من المتظاهرين يجوبون شوارع العواصم العربية ومدنها احتجاجا على عجز الحكومات عن إيجاد حلول لأزماتها المتفاقمة.

ورغم ما يبدو من تحسن في المؤشرات المتعلقة بالفقر والتعليم وتحقيق بعض التقدم في الإصلاحات الهيكلية في بعض البلدان العربية إلا أن ثورات الربيع العربي قد كشفت النقاب عن حجم المعاناة وارتفاع معدلات البطالة وسوء الأحوال المعيشية لمواطني الدول العربية غير النفطية على الأخص.

ولا ريب أن أكثر القضايا التي تثير السخط العام هي تخلي الدولة عن مسؤولياتها ورفع الدعم عن المحروقات والسلع الرئيسية والتي عادة ما تلجأ اليها الحكومات العربية لمواجهة فشلها الاقتصادي وأزماتها المالية المتكررة والتي لا تجد لها مخرجا سوى أسهل الحلول وذلك بمد يدها داخل جيوب المواطنين بدلا من السعي والابتكار لإيجاد حلول بديلة تسهم في توفير الحياة الكريمة لشعوبها.

لذلك ليس بمستغرب إطلاقا أن يأتي ترتيب مدن وعواصم معظم البلاد العربية في ذيل قائمة التصنيفات العالمية التي تقام سنويا لتقييم أفضل وأسوأ مدن في العالم من حيث جودة الحياة. وتقوم بهذه الدراسات سنويا هيئات استشارية أو مجلات متخصصة مثل وحدة الاستخبارات الاقتصادية بمجلة الإيكونومست بغرض مساعدة شركات عالمية كبرى لتحديد أماكن افتتاح فروع تابعة لها وتحديد المخصصات المالية لموظفيها الدوليين. وتعتمد مثل هذه الدراسات على عشرات المعايير منها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبنى التحتية والتعليم والإسكان والبيئة ووسائل النقل العام والترفيه.

على سبيل المثال تميزت فيينا -التي احتلت المركز الأول عالميا في عام 2016، ويعيش فيها 1.7 مليون نسمة- بالمقاهي الثقافية والمتاحف والمسارح ودور الأوبرا، وقلة تكلفة السكن والإيجارات وتوفر وسائل النقل العام المتاحة على مدار الأربع وعشرين ساعة وانخفاض تكلفتها. وجاءت دبي في المرتبة 75 عالميا والأولى عربيا بينما حلت أربع عواصم عربية في ذيل القائمة لأسوأ المدن عالميا وهي صنعاء ودمشق والخرطوم وبغداد التي حازت على لقب أسوأ مدينة للعيش فيها على مستوى العالم.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في معظم الشعارات المطلبية التي تجوب مدن وعواصم البلاد العربية هي ربط السياسة بقضايا الحياة اليومية من خبز وماء وكهرباء وخدمات صحية وتعليمية ومواصلات عامة وليس فقط بالقضايا الإستراتيجية من حقوق وحريات وديمقراطية. وفي ذات الوقت لم تنج دول الخليج العربي والتي يعيش مواطنيها في رخاء وحياة اجتماعية مرفهة من المطالبة بضرورة إحداث اصلاحات في الحريات العامة وأنظمة الحكم والتعددية السياسية عبر التداول السلمي للسلطة.

وقد ذكر البنك الدولي في دراسة له أن مواطني بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعانون من ضعف الخدمات الحكومية، وأرجع ذلك الى غياب آليات المساءلة لقياس مدى تلبية هذه المؤسسات لاحتياجات المواطنين، لافتا إلى أن ضعف الخدمات المقدمة وترديها تدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في الحكومات مما يقلل من الطلب على الخدمات العامة الجيدة كما يقلل الضغط على الدولة للمطالبة بالمساءلة، ويفضي ذلك إلى المزيد من التردي في الخدمات.

والمفارقة المهمة هنا هي أن تردي الخدمات يلقي بأعباء ومعاناة إضافية على كاهل الفقراء أكثر من الأغنياء وذلك لغياب البدائل أمام الفقراء حيث لا يكون أمامهم سوى خيارين إما العزوف عن الخدمة المطلوبة أو محاولة الحصول عليها بثمن أعلى من قيمتها الحقيقية ويفوق مستوى دخلهم بكثير.

على سبيل المثال تبلغ التكلفة الشهرية للاستهلاك المنزلي للمياه في الخرطوم ما بين 50-75 جنيها سودانيا ولكن أزمات المياه المتكررة تدفع بمواطني الأحياء الطرفية أو الشعبية والتي تعاني أكثر من غيرها من انقطاع المياه المتكرر إلى شراء برميل المياه بما يعادل 75 جنيها سودانيا لتغطية احتياجاتهم اليومية، كما تدفع بساكني المدن الأخرى والتي تعاني من الإمداد المائي المتقطع إلى الحصول على المياه بنفس المبالغ الباهظة وبتكلفة تفوق كثيرا ما يدفعه سكان العاصمة الخرطوم للحصول على المياه!

"رغم خيبة الأمل التي أصابت الكثيرين جراء استمرار حالة الهشاشة والاضطرابات وعدم حدوث التغيير الإيجابي المنشود في دول الربيع العربي، فإنه من الأهمية بمكان أن تستمر المطالبات من أجل الإصلاحات المأمولة وأن تتحول من مطالبات وقتية إلى مطالبات منهجية صلبة"

وما يثير الدهشة حقا هو مبالغة الحكومات العربية في رد فعلها تجاه الاحتجاجات الشعبية وجاهزيتها وردود فعلها السريعة لإجهاضها واحتوائها حتى لو استدعى الأمر الاستخدام المفرط للقوة والذي يمكن أن يصل إلى درجة إطلاق الرصاص الحي ضد مظاهرات سلمية ومواطنين عزل. وأكثر ما يثير الحيرة هو المفارقة الواضحة بين حماسة هذه الحكومات وهمتها العالية في قمع مواطنيها، وتراخيها وقعودها عن عمل أي شيء آخر يلبي طموحاتهم ويحقق تطلعاتهم المشروعة!

ولا ريب أن عدم وجود أنظمة حكم ديمقراطية في هذه الدول أدى إلى إضعاف أسس الحكم الرشيد وإنهاك منظمات المجتمع المدني، وبالتالي ضعف آليات المساءلة والمحاسبة وعدم تعزيز أسس الشفافية ومراعاة مبدأ العدالة الاجتماعية فيما يختص بالإنفاق الحكومي على البنيات الأساسية. ويرجع هذا بالأساس إلى أن الكثير من النخب الحاكمة في الدول العربية تنطلق أساسا من فكرة أن الدولة هي الكائن العقلاني الوحيد، وأن الفئات المجتمعية الأخرى كيانات هلامية غير واعية بذاتها وغير مدركة لمصالحها لذا يجب التعامل معها بمبدأ القطيع والتجاهل والسيادة المطلقة.

ولعلنا ما زلنا نذكر المقولة الشهيرة للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وهو يحاول تهدئة أجواء الثورة التونسية في بداياتها الأولى بتوسل لا يحسد عليه" أنا خلاص فهمتكم" والتي تلخص لنا وببساطة شديدة حالة الغيبوبة التامة التي يعيشها هؤلاء القادة والبون الشاسع الذي يفصل بين الصفوة الحاكمة والشعب المحكوم في المنطقة العربية!

وعلى الرغم من خيبة الأمل التي أصابت الكثيرين جراء استمرار حالة الهشاشة والاضطرابات وعدم حدوث التغيير الإيجابي المنشود في دول ما سمى بالربيع العربي مع الاستثناء النسبي لتونس فإنه من الأهمية بمكان أن تستمر المطالبات من أجل الإصلاحات المأمولة وأن تتحول من مطالبات وقتية إلى مطالبات منهجية صلبة تدعو بإلحاح إلى التخلص من استبداد السلطات واحتكارها المطلق للقرارات المصيرية التي تؤثر على حياة مواطنيها وللتخلص من الجهل والفقر والمرض والتي تعد من أسباب الاستبداد ونتائجه أيضا.

اشترك بالقائمة البريدية