الاثنين 1439/10/04 هـ الموافق 2018/06/18 الساعة الأن بتوقيت مكة المكرمة

ما الذي جعل من النموذج التونسي مختلفًا؟

ما الذي جعل من النموذج التونسي مختلفًا؟
Google+
20:24 الجمعة 23 ديسمبر 2016

تونس التي كانت بطل السلام هذا العام مثلت شرارة الانطلاق بالنسبة لثورات الربيع العربي، والتي بدأت عندما قام بائع الخضروات – محمد البوعزيزي – بإضرام النار في نفسه حتى الموت عقب اعتداءات الشرطة التي أدت إلى انقطاع مصدر رزقه الوحيد.

هذه الواقعة كانت العامل المحفز لبدء ثورة تونسية مكتملة الأركان، شملت جميع جوانب المجتمع التونسي ضد نظام زين العابدين بن علي المدعوم أمريكيًا، جمعت الاحتجاجات ضد بن علي كل الأطياف: الشباب والطلبة والعمال ونشطاء حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الإسلاميين: الذين أملوا في أن يجدوا في رحيل بن علي متنفسًا  لنشر أفكارهم المتعلقة بالشريعة، بالإضافة إلى المزيد من الحريات.

في 14 يناير 2011، وبعد 10 أيام فقط من واقعة البوعزيزي، انتصرت إرادة الشعب التونسي بإسقاط نظام بن علي الذي فر هاربًا إلى السعودية.

في أعقاب الثورة، تحديدًا في أكتوبر 2011، انعقدت الانتخابات البرلمانية التي استطاع حزب النهضة الإسلامي بحصد أغلبية مقاعدها بنسبة وصلت 37% وقام بتشكيل حكومة ائتلافية مع حزبين آخرين: أحدهما يساري، والآخر علماني، وتم اختيار حمادي الجبالي من حزب النهضة لرئاسة الوزراء والذي تنحى عن منصبه لاحقًا في سبيل تكوين حكومة أكثر تمثيلًا لكل الطوائف التونسية.

في السنوات التالية ومع استمرار حزب النهضة في الحكم تمت مجموعة من الاغتيالات السياسية لرموز سياسية يسارية، والتي أعلنت جماعة أنصار الشريعة مسئوليتها عنها ما أعاد الاحتجاجات والتظاهرات إلى الشارع بشكل كبير، والتي طالبت بتنحى حزب النهضة وتشكيل حكومة تكنوقراط.

في هذا الوقت كان من السهل أن تنزلق البلاد نحو العنف والمجموعات المسلحة، وهو ما لم يحدث بفضل الجهود التي قامت بها اللجنة الرباعية؛ لإجراء حوار وطني شامل وتقريب وجهات النظر، ما أدى إلى تكوين حكومة تكنوقراط وكتابة دستور علماني يضمن الكثير من الحريات في أكتوبر 2014 ثم أعقبه انتخابات رئاسية في نوفمبر.

في الوقت الحالي، ربما تواجه تونس بعض المشاكل الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك عملين إرهابيين ضد سياح هذا العام، إلا أنها شكلت نموذجا يحتذى به لدول الربيع العربي مع حكومة مستقرة وديموقراطية.

ما الذي جعل من النموذج التونسي مختلفًا؟

اختلاف السيناريو التونسي عن بقية البلدان التي شهدت ثورات في المنطقة العربية كمصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا، والتي كانت لها نهاية واحدة إمام بالعودة إلى النظام المستبد مجددًا أو الانجراف نحو العنف والحروب الداخلية لم يكن وليد الصدفة على الإطلاق، فهناك عدة عوامل ساعدت على ذلك أهمها بالتأكيد هو قوة المجتمع المدني ومنظماتها وتأثيرها الواسع خاصة النقابات العمالية والحركات الطلابية.

السبب الثاني لهذا الأمر كان طبيعة الجيش التونسي التي شكلت عاملًا مهمًا، فبعكس نظيره المصري، لا يمتلك الجيش التونسي إمبراطورية اقتصادية تجعله أكثر رغبة في الوصول للحكم دائمًا أو حتى تدعيم الأنظمة المستبدة التي تضمن استقرارة وتحقيق أهدافه.

كانت هذه ربما أيضًا نقطة فاصلة، فعقب ثورة يناير استطاع الإخوان المسلمين الوصول إلى الحكم –تمامًا كما حدث في تونس- ولكن هذه المرة عندما اندلعت الاحتجاجات ضدهم اختار الجيش أن يتولى الحكم بنفسه، بدلا من مساعدة البلاد في إكمال الطريق نحو الديموقراطية كما حدث في تونس.

إحدى الاختلافات أيضًا في تونس كانت التكوين الديني للشعب التونسي، الذي يتكون من 99% من المسلمين السنة باختلاف توجههم من إسلامي إلى يساري معتدل إلى علماني، وهو ما حفظ البلاد بالتأكيد من الاندلاع نحو حرب طائفية كما في اليمن وسوريا على سبيل المثال.

بالإضافة إلى تمثيل الأحزاب الدينية في الحكومة والبرلمان بعكس ما قام به نظام السيسي في مصر من إنهاء وجود هذه الأحزاب، بل قمعها أيضًا.

الاختلاف الأكبر

الاختلافات السابقة أحدثت تأثيرًا كبيرًا بالفعل، ولكن بقى اختلاف واحد هام جد: يُعتقد أنه الأهم من بين كل الاختلافات السابقة: بقاء أمريكا خارج المشهد السياسي التونسي.

المساعدات العسكرية الأمريكية ارتفعت في أعقاب الثورة التونسية من 17 مليار دولار إلى 29.5 مليار دولار في 2012 قبل أن تعود إلى قيمتها الأولى، كما كانت قبل الثورة في السنوات التالية مع وعود بزيادتها في عام 2016 إلى ثلاث أضعاف هذه القيمة.

ففي الوقت الذي يبدو فيه ابتعاد واشنطن عن المشهد السياسي التونسي بشكل كامل، نشرح لكم مدى التدخل الأمريكي في دول الربيع العربي الأخرى، ومدى تأثيره فيما وصلت له هذه البلاد:

مصر:  تعد مصر هي الدولة صاحبة أكبر معونات أمريكية عسكرية بعد إسرائيل، حرص أوباما في أعقاب إسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2013 أن يدعم النظام الجديد وأن ينفي شبهة كونه انقلابًا عسكريًا حتى يستطيع مواصلة دعمه عسكريًا (تمنع القوانين إعطاء معونات للدول التي يحكمها إنقلابات عسكرية).

بعد انقطاع المساعدات الأمريكية لفترة بعد عودة الجيش للحكم، عادت بقيمتها الكاملة (1.3 مليار دولار) في مارس الماضي ما يعني أن نتيجة ثورة يناير كانت مجرد استبدال لنظام مدعوم أمريكيًا بآخر شبيه له.

اليمن:  اتخذت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية جانب جكومة عبد ربه منصور هادي –نائب الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح الذي سقط بثورة شعبية – الذي خسر السلطة في صراع مع المتمردين الحوثيين.

المتمردون الحوثيون هم عبارة عن قبائل ريفية من شمال البلاد مدعومين من قبل إيران، وهم من أتباع الطائفة الزيدية من الشيعة المسلمين، وقد لعبت التوترات بين السنة والشيعة دورا في انهيار اليمن تاريخيًا، وكذلك الصراعات القبلية بين الشمال والجنوب.

ولكن إذا تحدثنا عن الجانب الأسوأ في الأمر: الصواريخ والقنابل الأمريكية شديدة التدمير التي يتم إلقاؤها على المدن اليمنية بواسطة سلاح الجو السعودي وبدعم أمريكي.

واشنطن أضافت اليمن إلى قائمتها في محاربة الإرهاب مستهدفة العديد من رموز تنظيم القاعدة باليمن بضربات الطائرات بدون طيار، حتى وإن كلف ذلك أرواح المدنيين وتدمير مدنهم والآن تواصل أمريكا ذلك بدعمها للسعودية في الحرب ضد الحوثيين، بالإضافة إلى الحصار البحري المفروض على ميناء عدن، والذي أدى لقطع تام للإمدادات، كالوقود والغذاء أدى إلى تحذير من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة بأن اليمن قد يكون على حافة مواجهة خطر “المجاعة”.

ليبيا:  أطاحت الثورة الليبية بالطاغية معمر القذافي الذي حكم البلاد منذ 1969 بعد انقلاب عسكري، العلاقات الأمريكية مع القذافي دائما ما شهدت توترًا، على الأقل منذ عام 1988 وبالتحديد حادث الطائرة الأمريكية، ولكن منذ عام 2006 شهدت العلاقات الليبية الدولية تحسنًا كبيرًا، بدء من اتفاق مع أمريكا في العام ذاته لتسوية الأوضاع السابقة، ثم اتفاق لإعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في 2008، حتى استقبل القذافي 50 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي في 2010 لاستغلالها لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين الأفارقة إلى أوروبا عن طريق شواطيء ليبيا.

برغم عودة العلاقات، إلا أن الولايات المتحدة تخلت عن القذافي بمجرد اندلاع الثورة الليبية، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لحلف الناتو لبدأ أعمال عسكرية في ليبيا تبعها مقتل القذافي نفسه.

عقب مقتل القذافي، بدأت حالة الفوضى التى نراها الآن، حيث أنه وفق ما رأته نيويورك تايمز في ذلك الوقت أنه بعد انطفاء نشوة الانتصار على القذافي وموته سيبدأ الصراع، وهو ما حدث بالفعل.

بدأت ترسانات الأسلحة التي انتشرت في ليبيا في عهد القذافي تظهر، بل امتدت لتشمل دولًا غير ليبيا، حيث وصل السلاح المهرب من ليبيا في عهد القذافي من سيناء شرقًا وامتد جنوبًا ليصل إلى نيجيريًا مارًا بالكثير من الدول الأفريقية وأهمها مالي. بدأت الحرب الأهلية داخل ليبيا في الاشتعال وشهدت صعود أحد فروع تنظيم الدولة الإسلامية الأكثر عنفًا.

تمامًا كما حدث في العراق، ربما أثبتت أمريكا كفاءتها من جديد في التخلي عن الديكتاتوريات والمساعدة في إسقاطها، ولكنها بالتأكيد تتوقف عند هذا الحد لتترك الدول فريسة الحروب والصراعات. ليبيا في هذه الأيام هي ضحية العنف والصراع على السلطة بين البرلمانات المتنافسة.

البحرين:  تعد البحرين قاعدة أمريكية رئيسة في الخليج، حيث يستقر فيها الأسطول البحري الأمريكي الخامس، والذي يمثل قاعدة حيوية لواشنطن في المنطقة، كما ترى الخارجية الأمريكية التي تقول بأن الحكومة البحرينية تلعب دورًا هاما في الاستقرار الأمني في هذه المنطقة التي تسعى واشنطن إليه.

تصنف وكالة المخابرات الأمريكية البحرين كدولة  “ملكية دستورية” ، وليست كدولة ديموقراطية حيث يحظر تكوين الأحزاب السياسية. وعلى الرغم من أن البرلمان البحريني يتم اختياره بالانتخاب، إلا أن حمد بن عيسي آل خليفة بيده سلطة تعيين رئيس الوزراء وأعضاء السلطة القضائية، في حين يشغل هو وأبناؤه أعلى مناصب الدولة، حيث أنه وفي الوقت الذي يعتبر أكثر من ثلثي البحرينيين من الشيعة، إلا أن العائلة الملكية والنخبة الحاكمة هم من السنة.

الربيع العربي لم يدم طويلًا في البحرين، فالمتظاهرون الذين احتشدوا في دوار اللؤلؤة وسط العاصمة البحرينية المنامة، مطالبين برحيل الملك، تم إنهاء اعتصامهم بدعم سعودي إماراتي، ما أدى لمقتل العشرات واعتقال الآلاف، هذه المرة وجهت الولايات المتحدة دعمها للملك والنظام البحريني، بدلا من المتظاهرين، كما فعلت في الدول الأخرى، حيث اقتضت مصالح واشنطن الاستراتيجية هذه المرة إرضاء السعودية بدلًا من الحرية والديموقراطية التي زعمت دعمها مسبقًا، حيث بالتأكيد تقتضي المصلحة السعودية عدم وصول أي شيعة للحكم في دول الخليج.

سوريا: بدأ الربيع العربي في سوريا هادئًا بمظاهرات محدودة في يناير 2011، سرعان ما تطور الأمر نتيجة بعض أحداث الاعتقال والقمع في بلدة درعا السورية، في إبريل استخدم نظام بشار الأسد قوة السلاح لقمع التظاهرات، مما زادها اشتعالا، وزاد من أعداد المحتجين، إلى أن وصلنا بنهاية عام 2011 إلى العديد من التكوينات المسلحة التي تقاوم النظام، كل منها له أهداف مختلفة وولاء مختلف، جميع الأطراف المتناحرة، فيما بعد بما فيها نظام الأسد بالتأكيد تم إدانتها بأعمال عنف وتعذيب واتهم النظام باستخدام الغازات السامة أيضًا والبراميل المتفجرة ضد مدنيين.

بالتأكيد لا يخفى على الجميع ما وصل إليه الوضع في سوريا وأزمة اللاجئين التي تعد الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، حيث اضطر أكثر من 4 ملايين سوريا مغادرة البلاد نتيجة للحرب القائمة، بالإضافة إلى 7.7 مليون سوري آخرين اضطروا للتنقل داخل سوريا نتيجة الدمار، ليصل الرقم إلى قرابة 12 مليون سوري من أصل 22 مليونًا يعتبرون من اللاجئين مع عدد من القتلى بلغ بنهاية أغسطس الماضي 250000.

بصمات واشنطن تنتشر في كل أنحاء الحرب السورية منذ بدايتها. بالعودة إلى عام 1996، قام ريتشار بيرل ودوجلاس فيث من حركة المحافظين الجدد (عملوا لاحقًا كمستشارين لديك تشيني نائب الرئيس بوش) بعمل دراسة أوصت نتائجها الحكومة الإسرائيلية بأن صعود إسرائيل وسطوتها على المنطقة لن ينطلق، إلا بعقد تحالفات مع كل من تركيا والأردن ومحاولة تحجيم أو حتى إسقاط سوريا، كان تصورهم لبداية هذا الإسقاط عن طريق إزالة صدام حسين من الطريق.

الهدف الرئيس من هذا الأمر كان إعادة توزيع القوى في الشرق الأوسط، هذه الخطة التي أعدها النائبان، تم إيصالها للبيت الأبيض، حيث مهدت أحداث سبتمبر للخطوة الأولى: إسقاط حكم صدام حسين، ويبدو أن الحلم الثاني وهو زعزعة استقرار سوريا قد تحقق بالتبعية، ولو لم يكن بالطريقة التي رسموها.

عندما بدأ الصراع في سوريا في 2011 يتحول إلى صورة مسلحة، بدأت الولايات المتحدة بتدعيم الجيش السوري الحر الذي بدا توجهه معتدلًا، إلا أن هذا الدعم يبدو أنه قد فشل في تحقيق أهدافه مع زيادة سيطرة وسطوة الدولة الإسلامية عل الأحداث في سوريا، وفي 9 أكتوبر ، أعلن البيت الأبيض أن البرنامج الذي أطلقه بقيمة 500 مليون دولار لتدريب ودعم مجموعات سنية معتدلة في تركيا والأردن وعودتهم إلى سوريا كان مصيره الفشل الذريع.

في 12 أكتوبر، دعمت الولايات المتحدة هذه المجموعة بأول 50 طن من الذخيرة، ربما لإعطائها تفوقًا على الأطراف الأخرى كالدولة الإسلامية وجبهة النصرة التي تعد ذراعًا لتنظيم القاعدة وغيرها من المجموعات المتطرفة.

الموقف الرسمي الأمريكي من نظام الأسد كان اشتراط ترك الأسد للسلطة قبل أي حديث عن حل سلمي للأزمة، ولكن تفضل واشنطن أن تفسر تدخلها على أنه يهدف لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

حملت مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في طياتها الكثير من العمليات ضد نظام الأسد أيضًا، ربما يكون العدو الأساسي للأسد في سوريا هو تنظيم القاعدة بالمجموعات الجهادية التابعة له، على الرغم من وجود مجموعات غير سلفية تواجه نظام الأسد أيضًا، إلا أن الأساس كان المجموعات السلفية الجهادية، حتى الدولة الإسلامية قامت بذلك في الأوقات التي لم تنشغل فيها بمواجهة جبهة النصرة.

تمامًا كما في اليمن، ربما وصلت الولايات المتحدة إلى نفس التوجه الذي يتخذه عدوها القديم (تنظيم القاعدة).

الأمر الأكثر خطورة هو ما وصلت إليه سوريا هذه الأيام، فبعد التدخل الروسي الداعم لنظام الأسد لمواجهة الدولة الإسلامية أيضًا، آخر ما كنت تحتاج إليه سوريا هو حرب بين روسيا وأمريكا على أراضيها بتوكيل من الأطراف المتنازعة. ما نستطيع استنتاجه أن التدخل الأمريكي لم يساهم بأي شكل من الأشكال في تخفيف معاناة الشعب السوري التي سببها الأسد – الذي أرسل بوش مجموعات من المعتقلين لتعذيبهم على أراضيه – أو تلك المعاناة التي خلقها تنظيم الدولة الإسلامية بانتهاجه نهج الإرهاب والعنف.

اشترك بالقائمة البريدية