الثلاثاء 1439/12/09 هـ الموافق 2018/08/21 الساعة الأن بتوقيت مكة المكرمة

القوة والسلطة والمال

القوة والسلطة والمال
Google+
21:14 الجمعة 23 ديسمبر 2016

هذه العوامل الثلاثة من الواجب توافرها في أية دولة من دول العالم، ولكن تفاعلها أو اختلاطها سويًّا يؤدي لنتائج كارثية تعد السبب في تأخر أغلب الدول المتخلفة، وحتى في بعض الدول المتقدمة تعد السبب في انعدام بعض المقومات الضرورية لسعادة الشعوب كالعدالة والحرية.

أولًا اختلاط السلطة بالمال

يعد ذلك النوع الشهير من الاختلاط – أو الزواج كما يسميه البعض – من أشهر عيوب الرأسمالية الذي عادة ما يبدأ به اليساريون عند مهاجمتهم إياها، بل ويدعي هؤلاء استحالة قيام دولة رأسمالية بدون حدوث ذلك التزاوج نتيجة منطقية للأنظمة الرأسمالية.

عادة ما يبدأ هذا الزواج ببعض الملاطفات أو المجاملات المتبادلة بين رجال السلطة ورجال المال. بضع أراضٍ للسيد الفلاني لمشروعه السكني, تصريح مخصوص لسيد آخر, تغاضٍ عن ضرائب أو عن جمارك لثالث وغيرها. كم سمعنا عن رجال أعمال متورطين بقضايا احتكار أو بقضايا الامتناع عن دفع ضرائب فترات طويلة بدون رقيب… إلخ.

خلال ذلك النوع من التفاعل لا يستفيد فقط رجال المال ولكن المصلحة بينهم بالطبع متبادلة؛ يحصل رجال السلطة على ما يريدونه من أموال لهم ولأسرهم وربما لجيرانهم وأصدقائهم، والمبررات الرسمية لتلك الأموال متعددة فكم من مرة سمعنا عن «تبرعات» لتقوية الاقتصاد المتهالك، أو كم من مرة سمعنا عن صندوق الجهاز الفلاني يحصل على منحة من رجل الأعمال الفلاني لتشجيع العمل العلاني.

عندما تصل الدول إلى مرتبة الاحتراف «التزاوجي» يتحول رجل المال والسلطة إلى شخص واحد بنفس الدم واللحم. الأمثلة متعددة ولكن لا داعي لذكر أسماء أشخاص نجحوا في التوفيق بين سلطاتهم وأموالهم، والمشكلة ليست في كون الرجل تاجرًا وموظفًا لدى الدولة في الوقت ذاته, لقد كان عمر بن الخطاب على سبيل المثال ثريًّا جدًا له عمليات تجارية واسعة كأي رجل ثري آخر في زمنه، ومع ذلك يعلم جميعنا قصة توقفه عن استخدام الشمعة التي اشتراها بمال من بيت المال عند انتقاله في الكتابة من عمل رسمي للدولة إلى عمل خاص به كفرد، ولكن المشكلة عندما يكون ذلك الجمع هو السبب في ازدهار الأعمال التجارية أو السبب في الحفاظ على السلطة أو السبب فيهما معًا.

ثانيًا التفاعل بين القوة والسلطة

يعد ذلك النوع من التفاعل أخطر من نوع التفاعل السابق؛ فانعدام ذلك التفاعل قد يؤدي إلى إيقاف النوع السابق من الحدوث, عندما يوشك الولد على الزواج من أخته لا يتبقى إلا الأب ليبطل الزواج قائلًا «زواج عتريس من فؤادة باطل».

أما عندما يكون الأب بدوره فاسدًا فتصرفه يقتصر على المباركة للزواج عسى الحصول على مقابل من أحد طرفيه أو كليهما.

إذا لم تقف القوة في وجه رجال الأعمال وفي وجه الرجال الآخرين من رجال السلطة التنفيذية أو التشريعية أو حتى السلطة القضائية فمن يردعهم؟

بل إن مباركة رجال القوة لكل هذا الكم من الفوضى يعد راكزًا أساسيًا للحفاظ عليها.

قرأت رواية الحرافيش لنجيب محفوظ، واستعرض الأخير فيها نماذج متعددة لكثير من فتوات الحارة, منهم الصالح الذي رفض الحصول على الجزية أو الإتاوة من سكان الحارة، ومنهم الطالح الذي استغل قوته أسوأ استغلال. وفي الواقع، للدول فتوات كما للحارات فتوات؛ بصلاحهم يأمن الناس، وبفسادهم يذعر الناس منهم قبل حتى أن يذعروا من غيرهم من فتوات ولصوص وبلطجية الخارج.

يحصل رجال القوة على الأموال من رجال المال، وعلى التصاريح والأراضي وكافة التسهيلات المطلوبة من رجال السلطة، وهنا يكمن الخطر الأكبر حينما تتوفر كافة المقومات المطلوبة لديهم لبناء دولتهم الخاصة داخل الدولة.

قد يظن البعض أن ما أقوله هراء أو خرافات، ولكن لو تابعت العديد من الدول المتخلفة بقليل من اليقظة فسترى بعينيك كم المميزات التي يحظى بها كل طرف من الأطراف الثلاثة نتيجة لتزاوجهم زواجًا مثليًّا لا يجوز.

إذا رأيت بالفعل ذلك التزاوج ثم غرقت في صمتك مرة أخرى فأنت مشارك في الذنب، ويكفيك عقابًا أن تتحمل نتائج ذلك التزاوج من تخلف لوطنك، وذلك التخلف سيؤدي بدوره إلى التأثير على كافة الخدمات الواجب توفيرها لك وعلى رأسها بالطبع التعليم والصحة والمرور.

على كل صاحب مبادئ أن يستمر بالصراخ بأن «زواج عتريس من فؤادة باطل» مهما حاولوا إخفاء الزواج أو الاستدلال على شرعيته.

اشترك بالقائمة البريدية